المدرسة البوعنانية هي المعهد الديني الذي شيّده السلطان المريني أبو عنان فارس في فاس بين دجنبر 1350 وسنة 1355، على زنقة الطالعة الكبيرة، على بعد خطوات من باب بوجلود: وهي المدرسة الوحيدة في المغرب التي أدّت أيضاً وظيفة جامع تُقام فيه صلاة الجمعة، بمئذنتها الخاصة، وواحدة من المباني الدينية القليلة في المدينة العتيقة التي يُسمح لغير المسلمين بدخولها. قلّما يمكث الزائر فيها أكثر من ساعة، لكنها أكثف ساعة يمكن أن تمنحها فاس لمن يريد فهم الفن المريني: صحن من الرخام يعبره مجرى ماء، وجدران مكسوّة من الأرض إلى الإفريز بالزليج والجبص المنقوش وخشب الأرز المحفور، وفي الجهة المقابلة تماماً واجهة ساعة مائية غامضة اكتمل بناؤها سنة 1357.
تجمع هذه الصفحة ما هو ثابت بيقين عن هذا المعلم، وما يراه الزائر فعلاً بعد عبور العتبة، والتفاصيل العملية التي تجنّبه الوقوف أمام باب مغلق وقت الصلاة. ولإدراج الزيارة ضمن إقامة أطول، يقدّم دليلنا الشامل لما يمكن فعله في فاس الصورة الكاملة.
باختصار
- التأسيس: انطلقت الأشغال يوم 28 دجنبر 1350 (28 رمضان 751 هـ) بحسب النقيشة الموجودة في قاعة الصلاة، واكتملت سنة 1355.
- المؤسس: أبو عنان فارس، السلطان المريني الذي أُعلن سلطاناً سنة 1348 وتوفي سنة 1358، وتحمل المدرسة اسمه.
- ما يميّزها: المدرسة المغربية الوحيدة التي كانت أيضاً جامعاً للجمعة، ومن هنا مئذنتها ومنبرها الأصلي المحفوظ اليوم في متحف دار البطحاء.
- المساحة: نحو 34,65 × 38,95 متراً إجمالاً، مع صحن مرصوف بالرخام تبلغ مساحته قرابة 19,95 × 17,70 متراً.
- في المقابل: دار المكانة، ساعة مائية ذات اثنتي عشرة نافذة اكتملت سنة 1357 ومتوقفة منذ أجيال.
- الزيارة: الدخول بمقابل (20 درهماً حسب المعطيات الحديثة)، مع الإغلاق أثناء الصلوات، وعادةً يوم الجمعة؛ ويُشاهَد بيت الصلاة من الصحن.
- الوصول: بضع دقائق مشياً من باب بوجلود، نزولاً عبر الطالعة الكبيرة.

تاريخ المدرسة البوعنانية: ورش سلطان مستعجل
أبو عنان فارس: عشر سنوات من الحكم وطموح بلا حدود
لفهم سبب اختلاف هذه المدرسة عن غيرها، ينبغي النظر إلى مؤسسها. كان أبو عنان فارس ابن السلطان أبي الحسن، الذي بلغت الدولة المرينية في عهده أقصى امتدادها حتى تونس. وفي سنة 1348، بينما كان والده يتلقى الهزائم في إفريقية، أعلن أبو عنان نفسه سلطاناً. حكم نحو عشر سنوات، إلى أن اغتيل في يناير 1358 بتدبير من وزيره. حكم قصير انتُزع من أب ما يزال على قيد الحياة: والحاكم في مثل هذا الموقف يحتاج إلى إظهار تقواه وشرعيته، ولم يكن في القرن الرابع عشر ما يحقق ذلك أفضل من مؤسسة دينية كبرى في قلب العاصمة.
كان المرينيون قد نشروا المدارس في فاس قبل ذلك: الصفارين والصهريج والعطارين والمصباحية. وكلها تقع في القلب التجاري والعلمي لفاس البالي، قرب جامع القرويين، أو قرب جامع الأندلس بالنسبة إلى مدرسة الصهريج. أما أبو عنان فاختار موقعاً آخر، في الجهة الغربية من المدينة القديمة، قرب قصبة بوجلود، أي على الطريق الذي يربط المدينة العتيقة بفاس الجديد، المدينة السلطانية التي أسستها دولته. ولم يكن الاختيار محايداً: فالمدرسة تنتصب حيث تلتقي السلطة المرينية بالمدينة القديمة.
مدرسة هي أيضاً جامع للجمعة
كانت المدرسة في المغرب الوسيط قبل كل شيء داراً لإيواء الطلبة: حجرات لطلاب قادمين من البوادي أو من مدن أخرى، وقاعة صلاة متواضعة، وقاعات للدرس، وسقاية للوضوء. أما صلاة الجمعة الجماعية بخطبتها فكانت تُقام في مكان آخر، في المساجد الجامعة الكبرى. غير أن البوعنانية كسرت هذا النموذج، إذ مُنحت صفة المسجد الجامع، ما خوّل لها حق إقامة خطبة الجمعة. ومن هنا عنصران لا تملكهما المدارس الأخرى، أو لا تملكهما بهذا الحجم: مئذنة حقيقية تُرى من بعيد، ومنبر، أي الكرسي المدرّج الذي يخطب منه الخطيب.
وكان لهذه الصفة أثر دائم: فبيت الصلاة في البوعنانية ما يزال مستعملاً للعبادة، وهو ما يفسّر الإغلاق في أوقات الصلاة ومنع غير المسلمين من دخوله. أما في مجال التعليم، فلم تستطع مؤسسة أبي عنان أن تزيح جامع القرويين عن مكانته. فبعد قرنين تقريباً عاد التعليم العالي في فاس ليتمركز فعلياً في الجامع الكبير، وبقيت البوعنانية أساساً مكاناً للصلاة والسكن.
سجل الحسابات الذي رُمي في الوادي
سيحكي لك هذه القصة كل مرشد في المدينة العتيقة، وغالباً أمام الباب: حين عرض المشرفون على الأشغال، وقد استبدّ بهم القلق، الكلفة الإجمالية للبناء على السلطان، يُروى أن أبا عنان مزّق السجل ورماه في النهر قائلاً إن ما هو جميل لا يكون غالياً مهما كان الثمن. لا توجد وثيقة تسمح بالتحقق من هذا المشهد، فهو ينتمي إلى الرواية الشعبية أكثر مما ينتمي إلى التاريخ. ومع ذلك فهو يقول شيئاً صحيحاً: زخرفة البوعنانية هي الأغلى كلفة والأكثر اكتمالاً مما خلّفه المرينيون في فاس، ويكفي النظر إليها لتدرك أن أحداً لم يحسب شيئاً.
| التاريخ | الحدث |
|---|---|
| 1348 | أبو عنان فارس يعلن نفسه سلطاناً في حياة والده أبي الحسن. |
| 28 دجنبر 1350 | بداية الأشغال بحسب نقيشة التأسيس الموجودة في بيت الصلاة. |
| 1355 (أواخر شعبان 756 هـ) | اكتمال بناء المدرسة. |
| 6 ماي 1357 | اكتمال دار المكانة، الساعة المائية المقابلة، بحسب ما أورده المؤرخ الجزنائي. |
| يناير 1358 | اغتيال أبي عنان فارس. |
| القرن السابع عشر | ترميمات بعد زلزال مدمّر. |
| 1792-1822 | في عهد السلطان العلوي المولى سليمان، أعيد بناء أجزاء كاملة من الجدران. |
| 1981 | تسجيل مدينة فاس العتيقة، ومنها المدرسة، في قائمة التراث العالمي لليونسكو. |
| أواخر التسعينيات – مطلع الألفية الثالثة | حملة ترميم كبرى للزخارف؛ وترميم واجهة دار المكانة في مطلع الألفية الثالثة. |
ماذا ترى داخل المدرسة البوعنانية، خطوة بخطوة
تصميم المبنى مستطيل غير منتظم قليلاً، جرى تكييفه مع قطعة أرض ضيقة بين زنقتين: الطالعة الكبيرة شمالاً والطالعة الصغيرة جنوباً. وتحدد أرقام قاعدة بيانات قنطرة، التي توثّق التراث المتوسطي، هذه الأبعاد: نحو 34,65 × 38,95 متراً للمجموع، وبيت صلاة يقارب 17,10 × 9,65 متراً، وصحن يقارب 19,95 × 17,70 متراً. ومع ذلك يبدو الفضاء في الداخل أوسع من ذلك، لأن كل شيء يتجه نحو الصحن المكشوف.
مدخل الطالعة الكبيرة ودهليزه
ينفتح الباب الرئيسي على الطالعة الكبيرة، الشارع التجاري الكبير الذي ينحدر من باب بوجلود نحو وسط المدينة العتيقة. وهو قوس حدوي يؤطره الجبص المنقوش تحت ظلة من الخشب. وثمة تفصيل لا يُلاحظ إلا بعد الدخول: هذا المدخل يقع على محور واحد مع المحراب، أي التجويف الذي يحدد اتجاه القبلة، في الجهة المقابلة من الصحن. أما الدهليز فسقفه من خشب الأرز بمقرنصات، وهي خلايا متراكبة على هيئة خلايا النحل تتدلى من السقف كالهوابط. ارفع رأسك قبل أن تعبر: فهذه أولى التحف، ويفوّتها كثير من الزوار وهم يسرعون نحو ضوء الصحن.
وبجانبه مباشرة باب ثانٍ هو باب الحفا، أي «باب الحفاة». كان يؤدي مباشرة إلى حجرات الطلبة وإلى قاعة الوضوء دون المرور بالصحن. ودهليزه مقبّب بقبو نصف أسطواني ومكسوّ بجبص ذي زخرفة هندسية نجمية. وبحسب الفترات، يُدخَل الزوار من هذا الباب أو ذاك. وهناك مدخل ثالث في الخلف يطل على الطالعة الصغيرة، وكان في هذه الجهة كتّاب قرآني للأطفال.
صحن الرخام وساقية وادي اللمطيين
الصحن مرصوف بالرخام، وفي وسطه حوض ونافورة للوضوء. وتمتد على ثلاثة من جوانبه أروقة قائمة على دعامات، تحجبها جزئياً مشربيات خشبية بين الدعائم، وخلفها تقع حجرات الطلبة. أما الجانب الرابع، جانب بيت الصلاة، فتحدّه ساقية صغيرة يجري فيها ماء مأخوذ من وادي اللمطيين، أحد فروع وادي فاس التي تسقي المدينة العتيقة. وتسمح قنطرتان صغيرتان عند زاويتي الصحن بعبورها.
هذه الساقية هي أكثر تفاصيل البوعنانية فرادة. فهي تُستعمل للوضوء طبعاً، لكنها ترسم أيضاً حدّاً فاصلاً: من جهة الصحن، فضاء العبور والدراسة، ومن الجهة الأخرى بيت الصلاة، الفضاء المقدس. وعند هذا الخط المائي بالضبط يتوقف الزوار من غير المسلمين. تعبره بعينيك، لا بقدميك أبداً. أنصت إليها: على بعد أمتار قليلة من صخب الطالعة الكبيرة، يكفي خرير الماء لتغيير الأجواء كلها.
كيف تقرأ جداراً في البوعنانية: الزليج والجبص والأرز
تخضع زخرفة واجهات الصحن لنظام صارم من ثلاث طبقات، من الأرض نحو السماء، ومعرفة هذا النظام تغيّر تجربة الزيارة. في الأسفل، حتى مستوى الكتف، الزليج: فسيفساء من قطع خزفية صغيرة مزججة، تُقطع واحدة واحدة وتُركّب في تشابكات هندسية، بنجوم ذات ثمانية أو اثني عشر أو ستة عشر رأساً حسب اللوحة. وفوقه إفريز من البلاطات الخطية تُستخرج فيه الكتابة بكشط الطلاء الزجاجي حول الحروف، وهي تقنية تُعرف بالحفر أو «الخط المكشوط». وأعلى من ذلك يأتي الجبص المنقوش، المشغول بالسكين في الجبص الطري: توريقات نباتية، ونقائش بالخط المغربي المبسوط والكوفي، وشبكات من المعينات، ومقرنصات في الأقواس.
وفي الأعلى تماماً يتسلم خشب الأرز الأطلسي المشعل: عتبات وأفاريز محفورة بالنقائش والتوريقات، ثم ظلة عريضة محمولة على كوابيل تحمي الجبص من المطر. ويلخّص موقع أرشنت جوهر الأمر: لقد نقل المرينيون مواد القصور النصرية في الأندلس وتقنياتها إلى مبنى ديني. ومن زار قصر الحمراء في غرناطة سيلحظ القرابة فوراً، بل إنها هنا أوضح قراءة، لأن المبنى أصغر ويمكن الإحاطة به بنظرة واحدة.
نصيحة للقراءة: قف في وسط الصحن، وظهرك إلى المدخل، ودُر حول نفسك دورة كاملة ببطء. ثم اقترب من إحدى الدعامات وتأمل لوحة زليج واحدة عن قرب. فكل قطعة قُطعت باليد لتأخذ مكانها الدقيق في الزخرفة. وقد عوّضت الترميمات جزءاً من القطع، وقد تلاحظ أحياناً ألواناً أكثر إشراقاً قليلاً، علامةً على إصلاح حديث.
بيت الصلاة كما يُرى من العتبة
ينفتح بيت الصلاة على الصحن امتداداً لأقواس الرواق. ويقسمه صف عرضي من الأقواس القائمة على أعمدة من الرخام والعقيق اليماني (الأونيكس)، موازٍ لجدار القبلة. وفي العمق محراب منحوت كله في الجبص. أما الأجزاء العليا من الجدران فتخترقها نوافذ مغلقة بشمسيات من الجبص مرصعة بالزجاج الملون، تُصفّي ضوءاً ناعماً في أواخر الصباح. والسقف هيكل خشبي مائل يُعرف بـ«البرشلة»، كما في كثير من المساجد المغربية. وفي الطرف الغربي تنفتح غرفة صغيرة للاعتكاف (بيت الاعتكاف) عبر نافذة ذات قوسين.
بالنسبة إلى غير المسلم، يُشاهَد كل هذا من الصحن، من فوق الساقية. وليس في ذلك حرمان كبير، فالقاعة مصممة لتُرى من الصحن ما دامت أقواسها مفتوحة. احمل فقط ما يسمح بالتقريب إن كنت تصوّر، واحترم المصلين إن وُجدوا. أما المنبر الأصلي فلم يعد هنا: هذه التحفة من التطعيم بالخشب النفيس والعاج، المصنوعة بين 1350 و1355، محفوظة اليوم في متحف دار البطحاء، على بعد دقائق مشياً. ورؤيته في اليوم نفسه تكمل الزيارة على نحو منطقي.
القاعتان الجانبيتان وحجرات الطلبة
في شرق الصحن وغربه تنفتح قاعتان مربعتان، طول ضلع كل منهما نحو خمسة أمتار، كانتا تُستعملان قاعتين للدرس. وأقواس مدخليهما ذات بطون منحوتة بالمقرنصات، وتُغلقان بأبواب عالية من خشب الأرز محفورة بتشابكات نجمية. وفي الداخل قبة خشبية بأضلاع مشعّة. وحين تكون الأبواب مفتوحة، يكون هذا هو المكان الأنسب لتقدير النجارة المرينية على مستوى النظر.
تتوزع حجرات الطلبة على طابقين، يُصعد إليها عبر أدراج في زوايا الصحن وممرات ضيقة. وهي حجرات صغيرة جداً وعارية، تضيئها فتحات صغيرة. والتباين مع الصحن مقصود: الترف جماعي، والحياة الخاصة زاهدة. والصعود إلى الطابق العلوي غير مضمون، فقد تغيّر بحسب الفترات والأشغال. فإن وجدت الدرج مفتوحاً فاصعد: المنظر المطل على الصحن وعلى ظلة الأرز يستحق الصعود وحده.
المئذنة، معلم المدينة العتيقة الغربية
تنتصب المئذنة المبنية بالآجر عند أحد طرفي الواجهة. وهي برج مربع يعلوه جامور صغير تتوّجه قبيبة وعمود معدني بكرات. وتحمل واجهاتها الأربع الزخرفة المرينية المعروفة بـ«الدرج والكتف»، وهي شبكة من المعينات البارزة مملوءة بالزليج، ويلتف شريط من الخزف حول أعلى الجذع. وتُرى من الخارج أفضل مما تُرى من الداخل، لأنها من الصحن قريبة جداً. وأفضل نقطة لمشاهدتها هي باب بوجلود، حيث تظهر مؤطرة بقوس الباب إلى جانب مئذنة مسجد سيدي لزاز. هذه المئذنة هي توقيع المبنى: فالمدارس الأخرى في فاس لا مئذنة لها، أو لها مئذنة متواضعة كما في مدرسة الصفارين.

دار المكانة، الساعة المائية المقابلة للمدرسة
اخرج من المدرسة واستدر نحو الجهة الأخرى من الطالعة الكبيرة. فوق الدكاكين، تحمل واجهة من الخشب والجبص صفاً من اثنتي عشرة نافذة صغيرة، تحتها كوابيل من خشب الأرز منحوتة بدقة، وبينها ألواح من التوريقات والخط الكوفي المزخرف. هذه هي دار المكانة، أي «دار الساعة». وبحسب المؤرخ الجزنائي، اكتملت يوم 6 ماي 1357، أي بعد سنتين من المدرسة، لضبط أوقات الصلاة في جامع أبي عنان. ويُنسب تصميمها إلى مُوقِّت، أي فلكي مكلف بحساب الأوقات، يُدعى أبو الحسن بن علي بن أحمد التلمساني.
كيف كانت الساعة تعمل؟
المبدأ العام معروف، أما تفاصيل الآلية فقد ضاعت. وتحت النوافذ كانت كوابيل من خشب الأرز تحمل طاسات من البرونز. وفي كل ساعة كانت كرة أو ثقل يسقط في إحدى الطاسات محدثاً رنيناً، بينما ينفتح مصراع النافذة المقابلة. وكان الماء هو المحرّك: فبحسب إعادة البناء الأكثر تداولاً، كانت عربة صغيرة تتحرك خلف النوافذ، يجرّها من جهة ثقل معلّق، ويمسكها من الجهة الأخرى عوّامة موضوعة على سطح خزان يُفرَّغ بوتيرة منتظمة. والساعة متوقفة منذ أجيال. والطاسات البرونزية لم تعد في مكانها، إذ أُزيلت لدراستها بهدف إعادة بناء الآلية، دون نجاح حتى اليوم، ورُمّمت الواجهة في مطلع الألفية الثالثة.
وتقول رواية شعبية، كثيراً ما تُحكى في عين المكان، إن هذه الدار كانت مسكن الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون، الذي عاش في فاس في القرن الثاني عشر، أي قبل بناء الساعة بزمن طويل. ولا شيء يثبت ذلك. وداخل دار المكانة ليس فضاءً منظماً للزيارة، فيُكتفى بالواجهة، التي تُصوَّر أفضل حين تتراجع بضع خطوات في الزنقة، متجنباً أوقات الذروة حين تكتظ الطالعة الكبيرة بالمارة.
دار الوضوء، المراحيض العمومية للسلطان
وقبالة الباب الرئيسي للمدرسة أيضاً توجد دار الوضوء، التي أمر ببنائها أبو عنان كذلك. كانت تخدم المدرسة والعموم، مزوّدة بماء وفير يجرف فضلات المراحيض. وما تزال تحتفظ ببقايا زخرفة مرينية من الجبص وخشب الأرز. قليل من الزوار ينتبهون إليها، مع أنها شاهد نادر على التجهيزات الحضرية لمؤسسة كبرى من القرن الرابع عشر، كانت فيها النظافة العامة جزءاً من البرنامج شأنها شأن الصلاة والدراسة.
الترميمات: ما هو أصلي وما ليس كذلك
مبنى يقارب عمره سبعة قرون، شُيّد بالطابية والآجر والرخام والجبص والخشب، لا يصل إلينا سليماً تماماً. فقد رُمّمت البوعنانية في القرن السابع عشر بعد زلزال، ثم أعيد بناء أجزاء منها على نطاق واسع في عهد المولى سليمان بين 1792 و1822. وفي القرن العشرين، ركّزت حملات متتالية على الزخارف. أما آخر ترميم كبير، الذي أُنجز في أواخر التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة، فهو ما يفسّر البريق الحالي للجبص والخشب؛ وتؤرخ عدة مصادر محلية إعادة الافتتاح بسنة 2004، وهو تاريخ لم نتمكن من تأكيده في مصدر رسمي.
فما الذي يعود فعلاً إلى العهد المريني؟ التصميم والبنية ونقيشة التأسيس وجزء كبير من الجبص والخشب وأعمدة العقيق. أما بعض لوحات الزليج وأجزاء من الجبص فقد أعيد إنجازها، بشكل مطابق أو شبه مطابق، على أيدي حرفيين فاسيين تكوّنوا في التقنيات نفسها. هل ينبغي التأسف على ذلك؟ لا: ففاس من المدن القليلة التي ما تزال هذه الحرف تُتوارث فيها، والترميم هنا جزء من تقليد حي أكثر منه نسخاً. لكن لا تحسب كل لمعة لون أصلاً من القرن الرابع عشر.
المدرسة البوعنانية مقارنة بمدارس فاس الأخرى
إن لم يكن لديك وقت إلا لمدرسة واحدة، فأيها تختار؟ إنها أقل تشابهاً مما يُظن. يلخّص الجدول التالي الفروق التي تهمّ الزائر، ولكل مدرسة صفحتها المفصلة في سلسلتنا.
| المعيار | البوعنانية | العطارين | الصهريج |
|---|---|---|---|
| الحقبة | 1350-1355، أبو عنان فارس | 1323-1325، أبو سعيد عثمان | 1321-1323، أبو الحسن حين كان أميراً |
| الموقع | الطالعة الكبيرة، قرب باب بوجلود | بجوار القرويين، في قلب المدينة العتيقة | عدوة الأندلس، الضفة اليمنى |
| الحجم | أكبر المدارس المرينية في فاس | صغيرة وشديدة الارتفاع | متوسطة، بصهريج مركزي كبير |
| المئذنة وخطبة الجمعة | نعم، المدرسة المغربية الوحيدة بهذه الصفة | لا | لا |
| نقطة القوة | مجموعة متكاملة: صحن وساقية ومئذنة وساعة مقابلة | دقة الزخرفة في فضاء ضيق | الصهريج الذي أعطى المكان اسمه، وأجواء هادئة |
| لمن تناسب؟ | الزيارة الأولى ونظرة شاملة على الفن المريني | عشاق التفاصيل، مع زيارة القرويين | الزوار الذين يستكشفون عدوة الأندلس |
رأينا: البوعنانية أولاً، لأنها تقدّم المعجم الكامل للعمارة المرينية وتقع عند مدخل المدينة العتيقة. ثم مدرسة العطارين، الأصغر حجماً لكن برقيّ يكاد يكون أكثر تركيزاً، ويُبلغ إليها في نهاية الطالعة الكبيرة. وإن كنت تحب الماء والهدوء، فإن مدرسة الصهريج، على الضفة الأخرى من الوادي، تكمل الثلاثي.
احذر من خلط شائع في البحث على الإنترنت: توجد مدرسة بوعنانية أخرى في مكناس، تُنسب هي أيضاً إلى أبي عنان. وكثيراً ما تتداول الصور بالاسم نفسه. تُعرف مدرسة فاس بمئذنتها وبالساقية أمام بيت الصلاة، أما مدرسة مكناس فلا تملك هذا ولا ذاك بهذا الترتيب.
زيارة المدرسة البوعنانية: معلومات عملية
| المعلومة | التفاصيل |
|---|---|
| العنوان | زنقة الطالعة الكبيرة، فاس البالي، على بعد دقائق مشياً من باب بوجلود |
| أوقات الفتح | عادةً من الساعة 9 إلى 18 تقريباً، مع استراحة نحو ساعتين في منتصف النهار؛ غير منشورة رسمياً على الإنترنت، يُرجى التحقق في عين المكان |
| الإغلاق | أثناء كل صلاة؛ ويوم الجمعة مغلقة أمام الزوار حسب أغلب المعطيات (على الأقل حول صلاة الظهر) |
| ثمن الدخول | 20 درهماً للشخص حسب المعطيات الحديثة، يُرجى التحقق عند الشباك؛ احمل نقوداً |
| المدة | من 30 إلى 45 دقيقة؛ وساعة لمن يتأمل الزخارف |
| دخول غير المسلمين | الصحن والأروقة والقاعتان الجانبيتان؛ ويُشاهَد بيت الصلاة من الصحن |
| اللباس | كتفان وركبتان مغطاة؛ لا يُطلب غطاء الرأس عادةً من الزائرات في الصحن |
| أفضل وقت | عند الافتتاح صباحاً أو في منتصف بعد الظهر، مع تجنب يوم الجمعة ورمضان إن أمكن |
الوصول من باب بوجلود أو المحطة أو المطار
المعلم الذي تهتدي به هو باب بوجلود، الباب الأزرق. وقبل أن تعبره، ابحث عن المئذنة المزينة بالخزف الأخضر التي تظهر داخل قوسه: إنها مئذنة المدرسة. اعبر الباب، وتقدّم بضع عشرات من الأمتار، ثم خذ يساراً الزنقة المنحدرة، وهي الطالعة الكبيرة (أما الزنقة التي على اليمين فهي الطالعة الصغيرة). ستظهر المدرسة بعد قليل على يمينك، على بعد 150 إلى 200 متر تقريباً من الباب حسب تقديرنا، والساعة دار المكانة في المقابل، فوق الدكاكين، على يسارك. يستغرق الأمر دقيقتين أو ثلاثاً ولن تضيع، وهذا نادر في فاس.
من المدينة الجديدة أو من محطة القطار التابعة للمكتب الوطني للسكك الحديدية، ينقلك «الطاكسي الصغير» الأحمر إلى ساحة بوجلود (وتُسمى أيضاً ساحة البغدادي)؛ احسب عادةً من 10 إلى 20 دقيقة حسب حركة السير، مع تشغيل العدّاد. وإن كنت قادماً بالطائرة، فإن مطار فاس سايس يقع على بعد نحو خمسة عشر كيلومتراً جنوب المدينة: سيوصلك «الطاكسي الكبير» أو خدمة النقل إلى أقرب نقطة من باب بوجلود، إذ لا تستطيع السيارات دخول المدينة العتيقة. وإن كان رياضك داخل الأسوار، فاطلب من أحد العاملين فيه أن ينتظرك عند الباب.
الأوقات والصلوات ويوم الجمعة: كيف تتجنب الباب المغلق
لأن بيت الصلاة ما يزال مسجداً عاملاً، تُغلق المدرسة أمام الزوار أثناء كل صلاة، لمدة متفاوتة، غالباً من ربع ساعة إلى نصف ساعة. وتتغير أوقات الصلاة بتغير الفصول: فصلاة الظهر تقع نحو الساعة 13:30 صيفاً بالتوقيت القانوني المغربي، وأبكر من ذلك شتاءً، وصلاة العصر بين الساعة 15:30 و17:00 تقريباً حسب الفصل. والأبسط أن تصل عند الافتتاح صباحاً، أو أن تحدد زيارتك مباشرة بعد أذان العصر الذي ستسمعه من المئذنة نفسها.
أما يوم الجمعة، يوم الصلاة الجامعة، فتشير أغلب المعطيات الحديثة إلى إغلاق المدرسة أمام الزوار، على الأقل خلال الصباح وصلاة الظهر. وفي رمضان تُقلَّص الأوقات وتُزاح. وبما أن إدارة المعلم لا تنشر أوقاتاً رسمية على الإنترنت، فتحقق في اليوم السابق لدى مكان إقامتك.
اللباس والسلوك
غطِّ الكتفين والركبتين: فهذا أدنى درجات الاحترام في مكان للعبادة، ومدينة فاس العتيقة أكثر محافظة من مراكش. لا تعبر الساقية أبداً نحو بيت الصلاة، حتى لو بدا خالياً، ولا تجلس على حافة حوض الوضوء. التصوير مسموح في الصحن؛ تجنب تصوير المصلين عن قرب وأطفئ الوميض. واخفض صوتك: فالصحن يردد الصدى، وفي ذلك يكمن كل سحره حين يسوده الصمت.
أفضل وقت ونصائح للتصوير
في الصباح، بعد الافتتاح بقليل، يكون الصحن ما يزال هادئاً، ويلامس ضوء مائل الجبص في الجهة الغربية. وفي منتصف بعد الظهر تدخل الشمس بشكل أوضح فتجعل الرخام يلمع. تجنب أواخر الصباح، حين تتوافد المجموعات المصحوبة بمرشدين واحدة تلو الأخرى. ولالتقاط صورة شاملة، قف في رواق المدخل على محور المحراب: فيصطف الصحن والساقية وبيت الصلاة على خط واحد. العدسة ذات الزاوية الواسعة مفيدة، وكذلك عدسة مقرّبة قصيرة للنقائش الجبصية العالية.
أخطاء ينبغي تجنبها
- الوصول وقت صلاة الظهر يوم الجمعة: فهذا هو الجمع الذي يضمن لك باباً مغلقاً.
- اتباع «مرشد» مرتجل يعترضك عند باب بوجلود مدّعياً أن المدرسة مغلقة ومقترحاً مساراً آخر: تحقق بنفسك، فهي على بعد دقيقتين.
- الخلط بينها وبين المدرسة البوعنانية في مكناس عند التحضير للزيارة انطلاقاً من صور الإنترنت.
- نسيان رفع البصر في الدهليز ونحو ظلة الأرز: فنصف الزخرفة يقع فوق ثلاثة أمتار.
- المرور أمام دار المكانة دون رؤيتها، لأنها فوق الدكاكين.
- المجيء دون نقود صغيرة: فالأداء بالبطاقة غير مضمون عند الشباك.
في محيط المدرسة البوعنانية
تقع المدرسة في الجزء الأسهل وصولاً من المدينة العتيقة، ويمكن أن تنظم حولها نصف يوم كاملاً دون أن تمشي أكثر من عشر دقائق بين محطة وأخرى.
- باب بوجلود وساحة بوجلود: الباب الضخم الذي يعود إلى سنة 1913، وبجانبه مباشرة الباب القديم المنعطف الأكثر تواضعاً؛ نقطة انطلاق كل زيارة.
- متحف دار البطحاء: قصر من أواخر القرن التاسع عشر تحوّل إلى متحف، أُعيد افتتاحه في فبراير 2025 بعد التجديد باسم متحف البطحاء للفنون الإسلامية، ويحتفظ بمنبر البوعنانية، وتوفر حديقته الأندلسية استراحة في الظل.
- الطالعة الكبيرة: بمواصلة السير في الزنقة بعد المدرسة، تعبر الأسواق حتى قلب المدينة العتيقة، نحو العطارين والقرويين، في عشرين إلى ثلاثين دقيقة من المشي دون توقف.
- الطالعة الصغيرة: الزنقة الموازية، الأقل ازدحاماً قليلاً، التي تمر خلف المدرسة وتلتقي بالطالعة الكبيرة في الأسفل.
- مسجد سيدي لزاز: تظهر مئذنته بجانب مئذنة البوعنانية داخل قوس باب بوجلود؛ وهو مكان عبادة غير مفتوح لغير المسلمين.
- حدائق جنان السبيل: حديقة عمومية كبيرة بين المدينة العتيقة وفاس الجديد، على بعد نحو خمس عشرة دقيقة مشياً، لالتقاط الأنفاس بعد الزحام.
وحول ساحة بوجلود، تتيح شرفات المقاهي الجلوس قبالة الباب، وبعضها في الطوابق العليا يطل على مئذنة المدرسة، وهو منظر ممتع خاصة في آخر النهار حين يكتسي الحجر لوناً دافئاً.
FAQ: أسئلة شائعة حول المدرسة البوعنانية بفاس
من أمر ببناء المدرسة البوعنانية؟
السلطان المريني أبو عنان فارس، الذي حكم من 1348 إلى 1358. بدأت الأشغال يوم 28 دجنبر 1350 بحسب نقيشة التأسيس في بيت الصلاة، واكتملت سنة 1355. واسم «البوعنانية» مشتق مباشرة من اسمه.
هل يمكن لغير المسلمين زيارة المدرسة البوعنانية؟
نعم، فهي من الأماكن الدينية القليلة في فاس المفتوحة للجميع. يزور غير المسلمين الصحن والأروقة والقاعتين الجانبيتين، لكنهم لا يدخلون بيت الصلاة الذي ما يزال مكاناً للعبادة؛ ويُشاهَد من الصحن، من الجهة الأخرى للساقية.
كم ثمن الدخول؟
تشير المعطيات الحديثة للزوار إلى 20 درهماً للشخص. ولا توجد تسعيرة رسمية منشورة على الإنترنت، وقد تتغير: احمل نقوداً وتحقق عند الشباك.
هل المدرسة مفتوحة يوم الجمعة؟
في الغالب لا، أو على الأقل ليس خلال الصباح وصلاة الجمعة، لأن بيت الصلاة يحتضن صلاة الجمعة. برمج زيارتك في يوم آخر واستفسر في المساء السابق لدى مكان إقامتك.
ما هي الساعة المائية المقابلة للمدرسة؟
إنها دار المكانة، التي اكتملت سنة 1357 لضبط أوقات الصلاة. كانت اثنتا عشرة نافذة تنفتح تباعاً بينما تسقط كرة في طاسة برونزية كل ساعة، بفضل آلية يحركها الماء. وهي متوقفة منذ أجيال، وما تزال آليتها الدقيقة مجهولة.
كم من الوقت ينبغي تخصيصه؟
خصص من 30 إلى 45 دقيقة للمدرسة، وبضع دقائق إضافية لمشاهدة دار المكانة من الزنقة. ومع متحف دار البطحاء وباب بوجلود القريبين، يكون صباحك حافلاً.
هل أحتاج إلى مرشد لزيارة البوعنانية؟
ليس للوصول إليها، فهي على بعد دقيقتين من باب بوجلود عبر الشارع الرئيسي. غير أن المرشد الرسمي، الذي يُعرف بشارته، يساعد على قراءة النقائش والزخارف. ارفض المرافقين غير الرسميين الذين يعترضونك عند الباب.
ما الفرق بينها وبين المدرسة البوعنانية في مكناس؟
هما مبنيان مختلفان يحملان الاسم نفسه، وكلاهما مرتبط بأبي عنان. ومدرسة فاس هي الأكبر، والوحيدة التي حظيت بصفة جامع للجمعة، بمئذنة ومنبر. تحقق من اسم المدينة حين تطالع الصور أو الآراء على الإنترنت.
خلاصة
المدرسة البوعنانية هي أكثر مؤسسات المرينيين طموحاً في فاس: معهد للطلبة شيّده أبو عنان فارس بين 1350 و1355، مزوّد بمئذنة وبحق إقامة خطبة الجمعة، وهو ما لا تملكه أي مدرسة مغربية أخرى. يأتيها الزوار من أجل صحن الرخام الذي تشقّه ساقية وادي اللمطيين، ومن أجل التراكب المتقن للزليج والجبص والأرز، ومن أجل واجهة دار المكانة في الجهة الأخرى من الزنقة. الزيارة قصيرة وزهيدة الثمن وسهلة الوصول من باب بوجلود؛ ويكفي تجنب أوقات الصلاة ويوم الجمعة، وارتداء لباس لائق، ومنح النفس وقتاً لرفع البصر.
مصادر رسمية
- اليونسكو، مركز التراث العالمي: مدينة فاس العتيقة
- أرشنت: المدرسة البوعنانية بفاس
- قنطرة، التراث المتوسطي: المدرسة البوعنانية
- قنطرة: واجهات الصحن وبيت الصلاة والمئذنة في البوعنانية
هذا المقال ذو طابع إخباري ويستند إلى مصادر تاريخية متقاطعة. أسعار الدخول وأوقات الفتح وشروط الولوج إلى المدرسة البوعنانية قابلة للتغيير، خاصة في رمضان أو أثناء الأشغال: تحقق منها في عين المكان قبل زيارتك. آخر تحديث: شتنبر 2026.
حقوق الصور
الصور: الصورة البارزة « File:Bou Inania Madrasa 2011.jpg » — Bjørn Christian Tørrissen (CC BY-SA 3.0)؛ « File:Bou inania DSCF4610.jpg » — Robert Prazeres (CC BY-SA 4.0)؛ « File:Fez Dar al-Magana (54252219356).jpg » — Jorge Franganillo (CC BY 2.0)، عبر Wikimedia Commons.



